المنجي بوسنينة

367

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

صغير السن قصد الاستزادة من العلوم والمعارف . ومن طرابلس توجه بحرا إلى مصر ليدرس على شيوخ الأزهر الشريف ، وبعد سنتين وثمانية أشهر سافر بحرا لزيارة والدته ، فأسره الفرنج وذهبوا به إلى مالطة ، ثم نجاه اللّه تعالى بعد سنتين وأيام ، وخلال هذه المدة التي أقامها بمالطة ناظره رهبان النصارى مناظرة واسعة ، وكان فيهم راهب له دراية بالمسائل المنطقية والعربية ودامت هذه المناظرة ثمانية أيام . من جملة مناظرتهم معه مسألة ألوهية عيسى عليه السلام ، ويذكر كبيرهم قال له : يا محمدي إن حقيقة عيسى امتزجت مع حقيقة الإله ، فصارتا حقيقة واحدة . قال : فقلت له : لا يخلو الأمر فيهما قبل امتزاجهما إما أن تكونا قديمتين أو حاديثتين أو إحداهما قديمة والأخرى حديثة ، وكلّ الاحتمالات باطلة ، فالامتزاج في كلّ الاحتمالات باطل . أما على الأول فإن الامتزاج مفض للحدوث قطعا ، لأنه تركيب بعد إفراد ، وكل تركيب كذلك لا محالة حادث ، والحادث لا يصلح للألوهية . وأما الثاني : فظاهر البطلان . وأما الثالث : بوجهيه فباطل أيضا ، لأن القديمة منها بعد الامتزاج يلزم حدوثها ، والحادثة منهما بعده يلزم قدمها فيؤدي إلى قلب الحقائق ، وقلبها محال ، ويلزم أيضا اجتماع الضدين ، وهو باطل باتفاق العقول . ولما أسقط في أيديهم ورأوا أنّهم قد ضلّوا في هذا الطريق قال لي كبيرهم : عقولنا لا تصل إلى هذا الأمر الدقيق ، فقلت له : هذا عندنا من علوم أهل البداية لا من علوم أهل النهاية ، فبهت الذي كفر وعبس واكفهر ، ثمّ قلت لكبيرهم : باللّه عليك أعيسى كان يعبد الصليب ؟ قال : لا ، وإنما ظهر الصليب بعد قتله على زعمهم ونحن نعبد شبيه الإله ، فقلت له : بالله عليك : أللّه شبيه ؟ قال : لا ؛ فقلت له : يجب عليكم حرق هذه الصلبان بالزفت والقطران ، فاستشاط غيظا . وقال لي : كنت أوقعك في المهالك وأجعلك عبرة ، لكن اللّه أمرنا بحبّ الأعداء ، فقلت له : لكن اللّه أمرنا ببغض الأعداء ، فقال لي : إذا شريعتنا كاملة ، فقلت له : على طريقة الاستهزاء : شريعتكم كاملة لأنها تعبد الأصنام ، والصلبان ، وشريعتنا ناقصة لأنها تعبد اللّه وحده لا شريك له ، فاشتدّ غضبه ، حتّى كاد أن يبطش بي ، ولكن اللّه سلم لمزيد اللطف بي . ثم إن كبيرهم قال لي : يا محمدي ، إني رأيت في كتبكم الحديثة أن نبيّكم انشق له القمر نصفين ، فدخل نصفه من كم ونصفه من الكم الآخر ، وخرج تاما من جيب صدره ، ومساحة البدر مثل الدنيا ثلاث مرات ، وثلث ، وهي ثلاثمائة وثلاث وثلاثون سنة وثلث ، فما هذه الخرافات . فقلت له : أما ورد أن إبليس جاء لسيدنا إدريس وهو يخيط الإبرة وبيده قشرة بيضة وقال له : أيقدر ربك أن يجعل الدنيا في قشرة هذه البيضة ؟ فقال لي : نعم ، وردد ذلك . فقلت له كيف يقدر ؟ فقال إما أن يكبر القشرة أو يصغر الدنيا ، فقلت له : سبحان اللّه تحلونه عاما وتحرمونه عاما ، وإذا سلمت هذا فلم لا تسلمه لنبينا ، فغص بريقه واصفر وعبس وتولى ، فقتل كيف قدر ، وهذا الجواب مني من باب إرخاء العنان للإلزام وإلا فدخول نصفي البدر في الكمين باطل عند جميع المحدّثين الأعلام .